عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

277

اللباب في علوم الكتاب

قلت : لأنّ جنس الحسنة وقوعه كالواجب ، لكثرته واتّساعه ، وأمّا السّيّئة فلا تقع إلّا في الندرة ، ولا يقع إلّا شيء منها ، وهذا من محاسن علم البيان . قوله « يطّيّروا » الأصل : « يتطيّروا » فأدغمت التّاء في الطّاء ، لمقاربتها لها . وقرأ عيسى بن عمر « 1 » وطلحة بن مصرف « تطيّروا » بتاء من فوق على أنّه فعل ماض وهو عند سيبويه وأتباعه ضرورة . إذ لا يقع فعل الشّرط مضارعا ، والجزاء ماضيا إلّا ضرورة ، كقوله : [ الخفيف ] 2551 - من يكدني بسيّىء كنت منه * كالشّجى بين حلقه والوريد « 2 » وقوله : [ البسيط ] 2552 - إن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا * منّي وما يسمعوا من صالح دفنوا « 3 » وقد تقدّم الخلاف في ذلك . والتّطير : التّشاؤم ، وأصله : أن يفرّق المال ويطير بين القوم فيطير لكلّ أحد حظّه ، ثمّ أطلق على الحظّ ، والنّصيب السّيّىء بالغلبة . وأنشدوا للبيد : [ الوافر ] 2553 - تطير عدائد الأشراك شفعا * ووترا والزّعامة للغلام « 4 » الأشراك جمع شرك ، وهو النّصيب . أي : طار المال المقسوم شفعا للذّكر ، ووترا للأنثى والزّعامة : أي : الرّئاسة للذكر ، فهذا معناه : تفرّق ، وصار لكل أحد نصيبه ، وليس من الشّؤم في شيء ، ثم غلب على ما ذكرناه . قوله : « ألا إنما طائرهم عند اللّه » أي حظّهم ، وما طار لهم في القضاء والقدر ، أو شؤمهم أي : سبب شؤمهم عند اللّه ، وهو ما ينزله بهم . قال ابن عباس : يريد شؤمهم عند اللّه ، أي من قبل اللّه ، أي : إنما جاءهم الشّرّ بقضاء اللّه وحكمه . قال الفرّاء : وقد تشاءمت اليهود بالنبي - عليه السلام - ب « المدينة » ، فقالوا : غلت أسعارنا ، وقلّت أمطارنا مذ أتانا ، وكثرت أمواتنا . ثم أعلم اللّه على لسان رسوله - عليه السلام - أن طيرتهم باطلة ، فقال : « لا طيرة ولا هامة » وكان النبي عليه السلام يتفاءل ولا يتطيّر . وأصل الفأل : الكلمة الحسنة ، وكانت العرب مذهبها في الفأل والطّيرة واحدا ،

--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 370 ، الدر المصون 3 / 327 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) البيت في ديوانه ( 200 ) ، مجالس ثعلب 1 / 78 ، أمالي القالي 1 / 95 ، اللسان ( شرك ) ، الدر المصون 3 / 328 .